الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

184

شرح ديوان ابن الفارض

يؤذونه بجهلهم أحواله الصادقة . ولهذا قال بعد ذلك على طريقة اللف والنشر المرتب « فأرتاح للواشين » الخ . اه . فأرتاح للواشين بيني وبينها لتعلم ما ألقى وما عندها جهل [ المعنى ] « الارتياح » كسب الراحة ، أي أستريح وينشرح صدري للقوم الذين يمشون بيني وبينها ، فيقولون لها عني إنني دائم السهر في حبها ، ملتذ بذكرها ، منسكب الدموع بادي الخشوع ، مضاعف الصبابة بادي الحزن والكآبة . ولما كانت العادة تقتضي عدم الميل إلى الواشي ، وكل محبّ عنه متباعد متحاشي ، علل ارتياحه إلى الوشاة ، وأظهره في قالب القبول وأبداه . وقال : لتعلم على ألسن الواشين ما عنده من الهوى ، وما الذي ابتلي به من طوارق الجوى ، فإنهم يحكون أوصافه في النحول ، وما يقاسيه في ظلام الليل إذ يطول ، فتعلم أحواله وتتحقق انتحاله . وما أحسن هذه الجملة التذييلية التي أفادت الاحتراس ، ورفعت عن كلامه لباس الالتباس ، حيث قال « وما عندها جهل » . فإن قوله « لتعلم » أي ليتعلق علمها بما حدث لي بعدها ، حيث طال بعدها ، وإن كان أصل العلم لها حاصلا ، وتحقيق الدليل بذلك لم يزل متواصلا . وفي البيت الطباق في العلم والجهل وشبه الرجوع في قوله وما عندها جهل . ( ن ) : قوله أرتاح ، أي أنشط وأقبل متوجها بكمال الهمة . وقوله للواشين أراد بالواشين الساعين بالفساد إشارة إلى قوله في البيت قبله لمن بيننا سعى . وقوله لتعلم ، أي المحبوبة المذكورة العلم الوقوعيّ ما أقاسيه في محبتها من الألم بصنيع الواشين وسعايتهم بالإفساد ، فإنها إذا علمت بذلك أشفقت عليه ورحمته . وقوله وما عندها جهل ، أي بما أقاسيه من ذلك لأن الجهل على حضرة تلك المحبوبة المذكورة مستحيل ، فهي عالمة بعلمها القديم ، وإنما ذلك من قبيل قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ( 31 ) [ محمد : الآية 31 ] ، يعني حتى نعلم ما عندكم فتعلمون أنا نعلم ، وهو معنى العلم الوقوعي كما ذكرناه . اه . وأصبو إلى العذّال حبّا لذكرها كأنّهم ما بيننا في الهوى رسل [ المعنى ] قوله « وأصبو إلى العذال حبّا لذكرها » ربما يناقض قوله آنفا « ولا أغدو لمن دأبه العذل » . قلت يمكن الجواب بأن عدم سيره إلى من دأبه العذل من حيث أن عذله يتضمن الوم اللوم على حبها والنهي عنه ، وأما ميله إلى العذال فلأجل تضمن عذلهم ذكرها لما يقصدون إليه من الملامة ، واستهجان مقام المحبة قصد الحصول الندامة . وهذا هو الجواب عند أولي الألباب فإنه قول لباب ، واللّه أعلم بالصواب . وقوله